يظل نجيب الريحاني واحدًا من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الكوميديا المصرية والعربية، ليس فقط بسبب قدرته على إضحاك الجمهور، وإنما لأنه استطاع أن يجعل من الكوميديا وسيلة لقراءة المجتمع والتعبير عن هموم الناس وتناقضاتهم. وعلى مدار ما يقرب من ثلاثة عقود، انتقل الريحاني بين المسرح والسينما، وترك مجموعة من الأعمال التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.

لم يكن طريق نجيب الريحاني إلى النجومية سهلًا، فقد بدأ حياته بعيدًا عن الأضواء، قبل أن تدفعه رغبته في الفن إلى ترك الوظيفة والاتجاه إلى المسرح. وهناك بدأت رحلة طويلة أسهمت في تشكيل واحدة من أهم التجارب الكوميدية في تاريخ الفن المصري.

من هو نجيب الريحاني؟

وُلد نجيب الريحاني عام 1889 في حي باب الشعرية بالقاهرة، ونشأ في أسرة تعود جذور والده فيها إلى الموصل، بينما كانت والدته مصرية قبطية. تلقى تعليمه في مدارس الفرير الفرنسية، ثم عمل في إحدى الشركات الكبرى لإنتاج السكر، إلا أن الوظيفة لم تستطع أن تبعده طويلًا عن شغفه الحقيقي بالفن.

ومع بداية دخوله عالم المسرح، بدأ الريحاني في تقديم الاسكتشات الفنية، ثم التحق بعدد من الفرق المسرحية، وكانت هذه المرحلة بمثابة المدرسة الحقيقية التي تعلم خلالها أصول الأداء والإخراج وفنون التعامل مع الجمهور.

وفي بدايات القرن العشرين، ارتبط اسم الريحاني بعدد من التجارب المسرحية المهمة، كما تعاون مع الفنان عزيز عيد، ثم ظهرت في مسيرته أسماء وشخصيات كان لها تأثير كبير في تكوين أسلوبه الفني.

نجيب الريحاني.. سيرة فنان صنع من الضحك مرآة للمجتمع المصري
نجيب الريحاني.. سيرة فنان صنع من الضحك مرآة للمجتمع المصري

نجيب الريحاني وبداية صناعة الكوميديا

لم تكن الكوميديا بالنسبة إلى نجيب الريحاني مجرد مجموعة من المواقف المضحكة أو النكات المتتابعة، وإنما اتجه إلى تقديم شخصيات تشبه المواطن العادي، بما يحمله من أحلام ومشكلات ومواقف يومية.

ومن أشهر الشخصيات التي ارتبطت باسمه شخصية كشكش بيه، العمدة الريفي الذي أصبح من العلامات المميزة في بدايات مسيرته. واستطاع الريحاني من خلال هذه الشخصية أن يقدم كوميديا قائمة على المفارقة والسخرية من بعض الظواهر الاجتماعية، الأمر الذي ساعده على تكوين قاعدة جماهيرية واسعة.

وشهدت تلك المرحلة أيضًا تعاونه مع الكاتب بديع خيري، وهو التعاون الذي أصبح واحدًا من أبرز الثنائيات الفنية في تاريخ المسرح المصري. فقد جمع الاثنان بين الكتابة الساخرة والأداء التمثيلي، ونجحا في تقديم أعمال تمزج بين الضحك ومناقشة القضايا الاجتماعية.

بديع خيري.. شريك رحلة نجيب الريحاني

كان التعاون بين نجيب الريحاني وبديع خيري من أهم المحطات في مسيرة الفنان، إذ شكلا معًا ثنائيًا ترك بصمة واضحة على المسرح المصري.

وتشير مصادر صحفية إلى أن تراث الريحاني المسرحي كان واسعًا، وأن عددًا من النصوص ارتبط باسمه منفردًا، بينما حملت عشرات النصوص اسم الريحاني وبديع خيري معًا. ومن بين الأعمال المعروفة التي ارتبطت بالثنائي «إلا خمسة» و«حسن ومرقص وكوهين» و«30 يوم في السجن».

ولم يكن هذا التعاون مجرد شراكة بين ممثل ومؤلف، بل كان قائمًا على فهم مشترك لطبيعة الجمهور المصري، وكيف يمكن تحويل المواقف اليومية إلى مادة فنية تحمل قدرًا من الطرافة والنقد في الوقت نفسه.

أبرز مسرحيات نجيب الريحاني

قدم نجيب الريحاني خلال مسيرته عددًا كبيرًا من المسرحيات والاستعراضات، وشهدت أعماله مراحل مختلفة من التطور الفني.

ومن بين الأعمال التي ارتبطت باسمه «الريال»، و«كشكش بيه في باريس»، و«حمار وحلاوة»، و«الجنيه المصري»، و«الدنيا لما تضحك»، و«حكم قراقوش»، و«30 يوم في السجن»، و«إلا خمسة»، و«حسن ومرقص وكوهين»، و«ريا وسكينة»، و«الدنيا على كف عفريت».

ولم تتوقف تجربة الريحاني عند الكوميديا الخفيفة، بل شهدت بعض أعماله توجهًا أكثر جدية، خاصة عندما بدأ يناقش قضايا مثل المادية والصراع الاجتماعي والظروف التي يعيشها الإنسان داخل المجتمع.

ويُعد «الجنيه المصري» من الأعمال التي كشفت عن هذا الجانب، إذ اتجه فيه إلى مناقشة المادية داخل المجتمع، وهو ما يعكس تطور رؤيته للكوميديا باعتبارها وسيلة لطرح أسئلة تتجاوز مجرد إضحاك الجمهور.

نجيب الريحاني والسينما.. من المسرح إلى الشاشة

لم يكتفِ نجيب الريحاني بالمسرح، بل دخل عالم السينما أيضًا، وبدأ ظهوره السينمائي في ثلاثينيات القرن الماضي. وقدمت الشاشة الكبيرة جانبًا آخر من موهبته، خاصة أن أداءه كان يعتمد بدرجة كبيرة على التلقائية والقدرة على التعبير من خلال الحركة وتفاصيل الشخصية.

ومن أبرز أفلام نجيب الريحاني «صاحب السعادة كشكش بيه»، و«ياقوت»، و«بسلامته عايز يتجوز»، و«سلامة في خير»، و«سي عمر»، و«لعبة الست»، و«أحمر شفايف»، و«أبو حلموس»، وصولًا إلى الفيلم الشهير «غزل البنات».

ويبرز فيلم «سلامة في خير» باعتباره محطة مهمة في مشواره السينمائي، إذ تعاون فيه مع المخرج نيازي مصطفى، الذي ساعدت رؤيته الإخراجية على إبراز إمكانات الريحاني في الأداء والحركة والتعبير. وتشير قراءة نقدية حديثة إلى أن الفيلم كان نقطة تحول مهمة في تجربته السينمائية.

«غزل البنات».. آخر أفلام نجيب الريحاني

ارتبط اسم نجيب الريحاني بصورة خاصة بفيلم «غزل البنات»، الذي جمعه بعدد كبير من نجوم السينما المصرية، من بينهم محمد عبد الوهاب وليلى مراد وأنور وجدي ويوسف وهبي ومحمود المليجي وسليمان نجيب.

ويحمل الفيلم أهمية خاصة في مسيرته، لأنه كان آخر أعماله السينمائية، وقد توفي الريحاني قبل استكمال تصويره، الأمر الذي أدى إلى تعديل نهاية الفيلم.

وبالرغم من مرور عقود طويلة على عرض الفيلم، لا يزال «غزل البنات» حاضرًا ضمن الأعمال التي يتذكرها الجمهور عند الحديث عن نجيب الريحاني وعن مرحلة مهمة من تاريخ السينما المصرية.

لماذا بقي نجيب الريحاني حاضرًا حتى اليوم؟

ربما تكمن قوة تجربة نجيب الريحاني في أن الشخصيات التي قدمها لم تكن بعيدة عن الواقع. فقد كان يستمد كثيرًا من مواقفه من الحياة اليومية، ويضع الشخصية البسيطة في مواجهة ظروف أكبر منها، ثم يحول الموقف الصعب إلى مساحة للضحك والتأمل في الوقت نفسه.

وتصف الهيئة العامة للاستعلامات أسلوبه بأنه قائم على الأداء السهل الممتنع، مع توظيف الكوميديا في تسليط الضوء على مشكلات المجتمع بعيدًا عن التكلف والمبالغة.

ولهذا لم تكن أعمال الريحاني مجرد إنتاج فني مرتبط بزمن محدد، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية المصرية. كما أعيد تقديم عدد من أعماله بعد رحيله من خلال فنانين آخرين، وهو ما يعكس استمرار حضور تجربته وتأثيرها في أجيال لاحقة من الفنانين.

وفاة نجيب الريحاني

رحل نجيب الريحاني في 8 يونيو عام 1949، عن عمر لم يتجاوز الستين عامًا، لتنتهي بذلك رحلة أحد أبرز رواد الكوميديا والمسرح في مصر.

لكن رحيله لم يكن نهاية حضوره الفني؛ فقد بقيت أفلامه وشخصياته ومسرحياته جزءًا من التراث الفني المصري، واستمر الجمهور في مشاهدة أعماله والاستشهاد بشخصياته ومواقفه بعد عقود من رحيله.

لقد استطاع الريحاني أن يترك وراءه مدرسة فنية خاصة، تقوم على البساطة والتلقائية والسخرية من الواقع، وتجمع في الوقت نفسه بين الضحك واللمسة الإنسانية. وربما لهذا السبب تحديدًا ما زال اسمه حاضرًا كلما فُتح الحديث عن تاريخ الكوميديا المصرية ونجيب الريحاني.

وفي النهاية، فإن سيرة نجيب الريحاني ليست مجرد قصة فنان حقق الشهرة، وإنما حكاية تجربة فنية بدأت من مسارح القاهرة، ثم انتقلت إلى السينما، قبل أن تتحول إلى جزء راسخ من ذاكرة الفن المصري. وبين «كشكش بيه» و«سلامة في خير» و«سي عمر» و«لعبة الست» و«غزل البنات»، ترك الريحاني شخصيات وأعمالًا استطاعت أن تعبر الزمن، وتؤكد أن الكوميديا عندما ترتبط بالواقع والإنسان يمكن أن تعيش طويلًا بعد رحيل صاحبها.

Avatar photo

By dina zakaria

كاتبة محتوي متخصصة في ال seo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *